+
أأ
-

اختطاف مادورو.. هل هو نهاية النظام الدولي وعودة الإمبراطورية من جديد؟

{title}
بلكي الإخباري

د.منذر الحوارات

في الخامس عشر من كانون الأول(ديسمبر) 2025، كتبتُ مقالاً تناولتُ فيه ما سميته «عقيدة ترامب»، وقارنتُها بمبدأ مونرو وانعكاساتها على المنطقة العربية، مستنداً إلى أطروحات أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بوسطن أندرو باسيفيتش، الذي دعا إلى تحوّل استراتيجي في السياسة الأميركية من التدخلات البعيدة والمكلفة، كما في الشرق الأوسط وأفغانستان والعراق، إلى التركيز على الجوار القريب، أي نصف الكرة الغربي، في عودة إلى مبدأ مونرو (1823)، غير أن دونالد ترامب لم يعد إلى هذا المبدأ بوصفه عقيدة دفاعية، بل قلبه إلى عقيدة هجومية تعيد تشكيل هذا الحيز بالقوة لا بالحماية.

 

جاء اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بعد سلسلة من التهديدات العلنية التي لم يتعامل معها مادورو بجدية، نُفذت العملية بطريقة لافتة عملياتياً كشفت عن قدرات عالية لدى الجيش الأميركي، غير أن أهمية الحدث لا تكمن في تفاصيله العسكرية، بل في دلالته السياسية العميقة، فالعملية ليست إجراءً أمنياً ولا عقوبة سياسية فقط، بل لحظة إعلان صريح عن تحوّل جيوسياسي طالما جرى التنظير له، ويتمثل في انكفاء الولايات المتحدة إلى نصف كرتها الأرضية والتعامل معه بوصفه مجالاً سيادياً خاصاً بها.

لم يكن اختطاف مادورو سوى لحظة الإعلان عن هذه العقيدة جديدة، والتي تُعيد إنتاج أمريكا كإمبراطورية ترسم حدودها القوة بغض النظر عن سيادة الآخرين ومصالحهم، وما يثبت ذلك أن خطف مادورو شكّل انتهاكاً صريحاً للمحظورات السياسية والقانونية التي تأسس عليها العالم الحديث منذ صلح وستفاليا، مروراً بميثاق الأمم المتحدة، وصولاً إلى النظام الدولي القائم على القواعد بعد الحرب العالمية الثانية، إن اختطاف رئيس دولة ذات سيادة، دون حرب معلنة أو تفويض أممي، يعني عملياً تحويل القوة إلى مصدر للشرعية، وهو أخطر ما في هذه السابقة.

السؤال المركزي هنا ليس لماذا فعل ترامب ذلك، بل هل كان أي رئيس أميركي آخر سيتردد؟ الأرجح أن ما جرى ليس نزوة شخصية، بل جزء من مسار استراتيجي أميركي يهدف إلى إغلاق النصف الغربي من الكرة الأرضية ومنع اقتراب الصين وروسيا منه، ما ميّز ترامب أنه نفّذ هذا التحول بأسلوب فجّ ومباشر، يفتقر إلى الكياسة الدبلوماسية، من دون أن يغيّر ذلك من جوهر التحول نفسه.

أما ترامب فتداخل دوافعه بين اعتبارات انتخابية، ورغبته في الظهور بمظهر الرئيس القوي، واستثماره وزن الجالية اللاتينية في فلوريدا، إضافة إلى استثمار المخاوف الأميركية من المخدرات، مستنداً إلى ملف قضائي يتهم مادورو بتهريبها، كما يبرز النفط الفنزويلي عاملاً مهماً، غير أن العامل الحاسم يبقى قطع الطريق على النفوذ الصيني والروسي المتنامي في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، وهو ما دفع واشنطن إلى الانتقال من التنظير إلى الفعل.

ومع ذلك، لا تشكّل المخدرات ولا النفط ولا الانتخابات مبرراً كافياً لاختطاف رئيس دولة، بل كانت أدوات في لحظة سياسية صاخبة أُعلن فيها تحوّل جيوستراتيجي جوهره عبارة واحدة لا تحتمل التأويل: النصف الغربي من الكرة الأرضية مجال سيادي أميركي مغلق، ومن هذا المنطق ذاته، يندرج حديث ترامب عن غرينلاند باعتباره امتداداً طبيعياً لإعادة تعريف السيادة.

بهذا الفعل، وجّه ترامب ضربة قاصمة لمبدأ سيادة الدول وعدم التدخل والمساواة القانونية بينها، وأعاد تعريف هذه المبادئ ضمن منطق «السيادة المشروطة»، حيث تصبح الدولة ذات السيادة هي فقط تلك التي لا تتعارض سياساتها مع المصالح الأميركية، وبهذا المعنى، يعلن ترامب عملياً نهاية النظام الدولي القائم على القواعد، أو تعليقه إلى أجل غير مسمى، ويعيد منطق الإمبراطورية إلى الواجهة.

هذا السلوك يفتح الباب أمام قوى كبرى وإقليمية لطرح السؤال الأخطر: إذا كانت واشنطن قد فعلتها، فلماذا لا نفعلها نحن؟ الصين أمام تايوان، وروسيا أمام أوكرانيا، التي ستعيد تبرير الحرب عليها بأثر رجعي، وفي منطقتنا، قد تجد قوى إقليمية صاعدة في هذا النموذج شرعنة لفرض الأمر الواقع بالقوة، ما يجعل الدول الهشة، التي تفتقر إلى تحالفات رادعة، الضحية الأولى، عبر التفكك والانقلابات والحروب بالوكالة، وانهيار مفهوم الردع القانوني.

ما نواجهه اليوم ليس حادثة عابرة، بل منعطفاً تاريخياً خطيراً، فمع تآكل الردع القانوني، يعود منطق «القوي يقرر والضعيف يتكيف»، بما يحمله من حروب موضعية وانفجارات إقليمية وتآكل للأمن العالمي، ويبقى السؤال مفتوحاً: هل سقط النظام الدولي بفعل ما قام به ترامب، أم أننا أمام لحظة انتقالية؟ وهل يمكن فرض قانون دولي جديد، إذا كان من يمتلك القوة هو أول من يخرقه؟

ما جرى في فنزويلا لا يبدو حادثة عرضية، بل إعلاناً عن بداية عصر جديد، تُرسم فيه الخرائط وحدود الدول بالقوة، لا بالقانون، وهذا يضع دول العالم أمام خيارين، إما المواجهة، أو الانصياع للإرادة الأميركية، وفي كلا الحالتين سيكون الثمن قاسياً ومؤلماً