+
أأ
-

رجا صبحي اللصاصمة :- من الأخطر على الأردن: عدو الداخل أم عدو الخارج؟

{title}
بلكي الإخباري

 

     يتغنى كثيرون في الإقليم والعالم بالنشامى، بكرمهم وشهامتهم ورجولتهم، فنطرب لهذا الثناء ونرتقي به إلى حد الزهو، لكن هذا الزهو لا يلبث أن يتحول إلى ألم وسخط حين نصطدم بواقع يرويه مسؤولون حكوميون وسياسيون ونواب وأعيان وكتّاب، عبر منشورات ولقاءات، يحذرون ليل نهار من عدو خارجي يتربص بالأردن أرضًا وشعبًا وقيادة.

   تُرسم سيناريوهات متعددة لمخاطر استهداف مراكز الطاقة والبنية التحتية، تلك التي أنفقت عليها الدولة مليارات الدنانير من موازنات الدولة والمنح والمساعدات، تلك المليارات لم تأتِ من فراغ، بل كانت حصيلة مواقف سياسية، وعلاقات دولية، وجهود قيادية، وخطط واستراتيجيات حكومية تعاقبت عبر عقود.

 ويأتي هذا التحذير من شخصيات تقلدت مواقع المسؤولية ذاتها، وأشرفت بنفسها على بناء تلك المنجزات التي يُخشى اليوم عليها.

   لقد صُوِّر للأردنيين أنهم باتوا ينافسون الدول المتقدمة بما تحقق من بنية تحتية وإنجازات،  وقَبِل الناس، بصبر موجع، أن يربطوا أحجار المعاناة على بطونهم في ظل الفقر والبطالة، إيمانًا بأن مليارات المساعدات والمنح، بل وحتى مدخرات الضمان الاجتماعي، تُسخّر لبناء وطن قوي، لأن الوطن—كما تربّوا—أغلى من كل شيء، وأهم من العائلة والأبناء.

  غير أن الواقع كشف صورة مختلفة، جاءت المنخفضات الجوية لتعرّي هذا الحلم، إذ لم تكن السيول مجرد ظاهرة طبيعية، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لبنية تحتية قيل إنها صلبة، فإذا بها تنهار، كاشفة خللًا عميقًا في نزاهة التنفيذ وفعالية الرقابة، ومُظهرة حجم الفجوة بين التصريحات والواقع.

لم يعد الأمر يتعلق بطريق تُهدم أو مشروع فشل، بل بصورة وطن بأكمله تُطرح حولها أسئلة مؤلمة:

* أين ذهبت مليارات المنح والمساعدات؟

* أين صُرفت موازنات الدولة؟

* أين كانت الرقابة قبل وبعد إقرار العطاءات والمشاريع؟

* وأين دور ديوان المحاسبة وهيئة مكافحة الفساد؟

* اين الاجهزة والأدارات وحكومات التنوقراط واللغات والمؤهلات والخبرات والتخصصات النادرة ؟

* ومن يحاسب ؟ هل هو الشعب المبتلى بحكومات لا يد له باختيارها،  ام حكومات تدًور شخصوها حسب الشللية وعلاقات النفاق، ام قطاع حكومي مترهل ام قطاع خاص غير مؤهل؟.

   عندما تتكرر هذه الأسئلة دون إجابات واضحة، يتحول القلق من تهديد خارجي إلى شك داخلي، فالدولة القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على ردع الأعداء، بل بقدرتها على إدارة مواردها بكفاءة وعدالة تحت سيادة القانون.

إن أخطر ما قد يواجه أي وطن ليس الهجوم الخارجي بحد ذاته، بل تآكل الثقة بين المواطن ومؤسساته، لأن هذه الثقة هي خط الدفاع الأول، وإذا ضعفت، يصبح أي تهديد—خارجي أو داخلي—أكثر تأثيرًا.

       من هنا، فإن إعادة ترتيب الأولويات لم تعد خيارًا، بل ضرورة، فالإصلاح الحقيقي، والمساءلة الفعلية،والشفافية، والحوكمة الرشيدة، ليست شعارات، بل شروط بقاء.

  ما تكشفه هذه الوقائع لا يشير إلى خطأ هندسي فردي أو تقصير فني محدود، بل إلى خلل تراكمي اشتركت فيه جهات متعددة عبر سنوات طويلة، في شراكات مشكوك في جدواها بين القطاعين العام والخاص، انتهت—في بعض الحالات—إلى نتائج لا تعكس حجم الإنفاق ولا وعود الخطط والاستراتيجيات.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: من هو العدو الحقيقي؟ هل هو العدو الخارجي الذي يُحذَّر منه، أم أن الخطر الأكبر يكمن في الداخل، في سوء الإدارة، وضعف الرقابة، وربما الفساد الذي يبدد الموارد ويقوض الثقة؟

بل هل من المنطقي أن يُفترض أن عدواً خارجياً ينفق ملايين على صناعة صواريخه سيطلقها  لتدمير بنية تحتية لم تثبت قدرتها على الصمود أمام اختبار طبيعي؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية، لأن حماية الدول لا تكون فقط من تهديدات الخارج، بل تبدأ أولاً من تحصين الداخل.