+
أأ
-

د. منذر الحوارات : الحرب.. إلى أين؟

{title}
بلكي الإخباري

بينما تمضي المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتجه المنطقة إلى استنزاف طويل تتداخل فيه الجغرافيا بالاقتصاد والسياسة، ساحته ليست إيران وحدها، بل تمتد إلى دول عربية، فيما يدفع الاقتصاد العالمي كلفة موازية، في هذا السياق، تقدّم طهران نفسها كقوة عصيّة على الهزيمة، وتبث خطاب صمود يقوم على الاستمرار في الرد مهما بلغت الكلفة، وهو خطاب مألوف في المنطقة حيث كثيراً ما تُهمَّش حسابات الثمن، في المقابل، تمارس الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقهما الجوي والتكنولوجي بقدرة عالية على الضرب الدقيق، مستهدفتين بنية إيرانية تراكمت عبر عقود من الصراع والعقوبات.

 

ورغم تعدد السرديات، لم تُحسم الحرب سياسياً حتى الآن، فواشنطن وتل أبيب تمسكان بزمام السماء الإيرانية، وتستندان إلى تفوق تقني يسمح بتدمير منشآت حيوية وإستراتيجية بوتيرة متصاعدة، فيما تردّ إيران بتوسيع مسرح العمليات لرفع الكلفة، وقد طالت الضربات دول الخليج والأردن بنسبة كبيرة من إجمالي الهجمات، مقابل حصة أقل على إسرائيل، بالتوازي مع تأثيرات إغلاق مضيق هرمز على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، وفي المحصلة، يتضح أن الكلفة الأكبر تتحملها شعوب المنطقة، إيرانيين وعرباً، بينما تبقى خسائر الطرفين الأميركي والإسرائيلي قابلة للاحتواء والتعويض.

في خضم ذلك، تتصاعد لغة التهديد المتبادل، فواشنطن تلوّح بتدمير شامل لمنشآت الطاقة الإيرانية، فيما ترد طهران بالتهديد باستهداف نظيراتها في الخليج والأردن، هكذا تتحول المعادلة إلى سباق تدمير لا ينتج إلا مزيداً من الاستنزاف، وكأن العناد بات هدفاً بحد ذاته، وقد علّمتنا تجارب التاريخ أن طموحات أيديولوجية غير منضبطة قد تدفع دولاً بأكملها إلى حافة الانهيار، ومع ذلك، يلوح في الأفق احتمال لمسار تفاوضي، تعكسه تمديدات متتالية للمهل الأميركية، من 48 ساعة إلى خمسة أيام ثم عشرة، بما يشير إلى نافذة لمبادرات وساطة، وإن ظلت شروطها قاسية وردودها متباعدة.

خلال هذه المهلة، يعيد كل طرف ترتيب أوراقه، إيران تمسك بورقة مضيق هرمز وتخنق الاقتصاد العالمي، وتواصل إطلاق الصواريخ وتوسيع نطاقها، مع امتلاكها أدوات ضغط إضافية في باب المندب والبحر الأحمر عبر حلفائها، وقدرة على تهديد البنى التحتية الحيوية في الخليج، في المقابل، تستثمر الولايات المتحدة وإسرائيل الوقت في استهداف أعمق للمنشآت والقدرات القيادية، مع تعزيز الانتشار العسكري وتوسيع خيارات الضغط، كما تتحرك دول الخليج لتعزيز دفاعاتها، بما في ذلك تطوير قدرات مواجهة الطائرات المسيّرة، في مسار يهدف إلى تقليص فاعلية الأدوات الإيرانية.

هذه المعادلة تُفضي إلى نتيجة واضحة: ميزان التفاوض يميل تدريجياً لمصلحة الطرف الأميركي الإسرائيلي، فكل يوم إضافي من الحرب لا يستنزف فقط قدرات إيران، بل يضعف أوراقها التفاوضية، ويدفعها نحو مسار تفاوضي بشروط أكثر صرامة، وهنا تكمن المفارقة؛ إذ تتحول أدوات الضغط التي راهنت عليها طهران إلى عناصر استنزاف تُقوّض موقعها بدلاً من تعزيزه.

وعلى هذا الأساس، يبدو أن الحرب تتجه إلى مسار سبق أن عرفته المنطقة في تجارب عديدة: إدراك متأخر بأن كلفة المواجهة تفوق قدرتها على تحقيق مكاسب إستراتيجية، النتيجة ليست إضعاف الولايات المتحدة أو تراجع إسرائيل، بل العكس تماماً؛ مزيد من ترسيخ التفوق الإسرائيلي وتعزيز القدرة الأمريكية على فرض شروطها، مقابل إنهاك داخلي في إيران، وتداعيات ممتدة على الدول العربية.

في المقابل، تكشف هذه الحرب مجدداً أزمة في قراءة بعض النخب العربية للمشهد، فبدلاً من تفكيك التعقيد وفهم توازنات القوة، يُعاد إنتاج نفس الخطاب الذي يختزل الصراع في شعارات، ويتجاهل الوقائع، ويبرر أحياناً ما لا يمكن تبرير، وفي ظل هذا المناخ، تستمر دائرة الخسارة في الاتساع، بينما يُقدَّم التمجيد بديلاً عن الفهم، وهذا يثبت حجم طوباوية وسطحية، بعض هذه النخب، وقدرتها على إعادة تدوير نفسها في السياقات ذاتها التي قادتنا إلى مسارات الذل السابقة، دون أدنى رغبة في مراجعة الذات أو نقدها ولو مرة واحدة، بل إن العكس هو الصحيح؛ فكل من يحاول ذلك يُوصم بأنه مرتد أو عميل، والله وحده اعلم مرتد عن ماذا أو عميل لمن، وبينما تدور دائرة الخراب على دول المنطقة، واحدة تلو الأخرى، يقف هؤلاء في موقع التصفيق والتمجيد، وكأنهم شهود على دمار الدول لا ضحاياه.

في المحصلة، لا تبدو هذه الحرب طريقاً إلى نصر حقيقي لأي طرف إقليمي، بقدر ما هي مسار طويل من الاستنزاف، الخاسر الواضح هو شعوب المنطقة، إيرانية كانت أم عربية، والتي تدفع كلفة قرارات لا تملك التأثير فيها، بينما يعاد تشكيل ميزان القوة على حسابها، هكذا، لا يكون السؤال الأهم من انتصر، بل من دفع الثمن، والإجابة، كما في مرات سابقة، هي المنطقة بأكملها