حرب لا تنتهي

فهد الخيطان
ثمة شعور باليأس بدأ يتسلل في أوساط الساسة الرسميين بقرب نهاية الحرب على إيران. الجهود الدبلوماسية تمضي ببطء شديد، يبدو متعمدا، رغم صحة ما يُقال عن صعوبة التواصل مع المسؤولين الإيرانيين.
واشنطن لا تخفي رغبتها بمزيد من الوقت، "بضعة أسابيع إضافية" لإنجاز الأهداف المطلوبة. أكثر من ذلك، تبعث خطواتها الميدانية قلقا عميقا، حيث تحشد مزيدا من القوات في المنطقة، وتناقش بجدية كبيرة فكرة الغزو البري المحدود لمناطق محددة ذات أهمية إستراتيجية في إيران.
حكومة نتنياهو تكره سؤال الوقت. لا تريد مهلا زمنيا، بل حربا مفتوحة على إيران، واحتلالا طويل الأمد لجنوب لبنان. وصفة كفيلة بجعل المنطقة في حالة حرب لا تنتهي.
استمرار الحرب بضعة أسابيع إضافية، وفق منطق واشنطن، يعني توسيع نطاقها وقائمة أهدافها بالنسبة لإيران، التي تهدد في الساعات الأخيرة بخطوات أكثر تهورا من تلك التي اتخذتها في هذه الحرب.
وقد ثبت ميدانيا أن طهران ما تزال تملك من القدرات العسكرية ما يمكنها من ضرب أهداف أبعد، وتعميق هجماتها بحق دول الخليج، لتشمل مناطق استراتيجية وحيوية. ولاننسى بالطبع دورها في تحريك أذرع جديدة فيما تعتبره مواجهة وجودية. الحوثيون انضموا أخيرا للحرب، ويمكنهم أن يذهبوا أبعد من ضربات عشوائية على إسرائيل، نحو تعطيل الملاحة في باب المندب، بما يعنيه من أزمة أشد فوق أزمة مضيق هرمز.
وفي الجبهات المشتعلة دعما لطهران، في العراق ولبنان، يمكن للداعمين هناك أن يأخذوا البلدين إلى مصير مجهول، إن أقدموا على تصعيد أوسع.
ورد الفعل الإيراني هذا لن يبقى دون موقف من ترامب الذي لا يطيق أن يتحدّاه أحد في العالم. سيضرب إيران بقوة ساحقة، ويغوص أكثر في وحل الحرب. ومثله وأكثر ستفعل إسرائيل الطامحة لتصعيد يجعل من قرار وقف إطلاق النار خيارا صعبا على ترامب إذا لم يرتبط بنصر يليق بأقوى جيش في العالم.
صورة النصر هذه مبعث اهتمام كبير بالنسبة لترامب، والسعي لها في إيران على غرار ما تحقق له في فنزويلا قد يكون دافعه الأكبر لمواصلة القتال والدفع بتعزيزات إضافية، أملا بتحقيق فارق في الميدان لم يتيسر لجيشه تحقيقه في الأسابيع الأربعة التي مضت من عمر هذه الحرب.
هنا نخشى من أسوأ الكوابيس، حيث تعلق منطقتنا ودولنا بين سعي الطرفين بنهاية حاسمة ونصر لا يترك مجالا للشك أو التأويل. بالنسبة للنظام الإيراني، تعريف النصر واضح وبسيط، وهو بقاء النظام الحالي، حتى لو كان ذلك على حطام إيران والمنطقة.
طهران تحمل مشروعا عقائديا، ولديها من الأدوات والسرديات ما يجعلها قادرة على إحياء مشروعها من جديد. إسرائيل هي الأخرى مشروع عقائدي يسعى للهيمنة على المنطقة، وزوال النظام الإيراني شرط لاستمراره، ولا يعنيها مصير دول الإقليم. باختصار، إسرائيل وإيران يفضلان الفوضى في المنطقة على الاستقرار والأمن.
الخطورة في الأمر أنه وللمرة الأولى تصبح الولايات المتحدة أسيرة للمشروع الإسرائيلي على هذا النحو، بل إنها المرة الأولى التي يخوض فيها جيشا البلدين حربا واحدة. إن لم تتمكن الدبلوماسية من تحقيق اختراق في المفاوضات خلال الأيام المقبلة، سيصعب على الأطراف المتحاربة التراجع، والأسابيع تصبح بسرعة الأيام في هذه الحرب.
















