+
أأ
-

المحامي طارق القضاة يكتب :- السحر ينقلب على الساحر: "لا ملوك" في أمريكا.

{title}
بلكي الإخباري

.. 

غضب الداخل يحبط رهانات حرب الشرق الأوسط

تشهد الولايات المتحدة الأميركية اليوم حالة من الغليان غير المسبوق.

مع تصاعد الموجة الثالثة من احتجاجات "لا ملوك" (No Kings) التي انطلقت أواخر شهر آذار من هذا العام، واجتاحت كافة الولايات الخمسين، هذه الاحتجاجات، التي امتدت لأكثر من 3100 موقع في طول البلاد وعرضها، لم تعد مجرد حراك شعبي عابر، بل تحولت إلى أزمة حكم حقيقية تعصف بالداخل الأميركي.

اللافت في هذه الاحتجاجات هو شعارها المركزي "لا ملوك"، والذي لا يمثل مجرد عبارة رنانة، بل يحمل دلالات تاريخية ودستورية عميقة و العودة إلى جذور التأسيس الأميركي حيث بُنيت الجمهورية على رفض قاطع للملكية المطلقة (في مواجهة الملك جورج الثالث)، وتأسس الدستور على مبدأ الفصل بين السلطات. 

اليوم، يعكس رفع شعار "لا ملوك" في شوارع أميركا وعياً شعبياً بخطورة تغول السلطة التنفيذية البيت الأبيض تحديداً  و يرى المتظاهرون في سياسات إدارة ترامب نهجاً يقود نحو احتكار السلطة، تهميش الكونغرس، وتجاوز المؤسسات الديمقراطية، ليتحول الرئيس، في نظرهم، إلى حاكم مطلق الصلاحيات يتخذ قرارات مصيرية دون كوابح مؤسسية.

وفي خضم هذا الاحتقان الدستوري والسياسي، يبدو جلياً أن السحر قد انقلب على الساحر. فقد راهنت الإدارة الأميركية على أن الهجمة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية المشتركة على إيران ستؤدي إلى انتفاضة شعبية في الداخل الإيراني تدفع الإيرانيين للانقلاب على نظامهم لكن النتيجة جاءت عكسية ومربكة لواشنطن فهذه المغامرة العسكرية باتت اليوم السبب الرئيسي والمحرك الأساسي لاندلاع الاحتجاجات العامة في كافة الولايات الأميركية. 

صور لنتينياهو  يمارس السادية الجنسية على ترامب ظهرت في المظاهرات في إشارة واضحة الى أن المتظاهرين يعلنون رفضهم لأن تكون الادارة الأمريكية رهينة الخيارات الاسرائيلة دون تعبأ بالمصالح الأمريكية . 

حسابات رد فعل الادارة الامريكية معقدة فمن المضي بعمق في العمليات العسكرية لتحقيق أي نصر يباع للقنوات الاعلامية الى الرجوع الى الحسابات المنطقية وخسارة الرهان داخلياً لا أحد ما قد تصل إليه إدارة ترامب التي وصفت على لسان أكثر من باحث أمريكي بأنها إدارة مراهقة يقوم عليها مجموعة من المراهقين بزعامة ترامب الذي باتت تصرفاته اليومية مادة دسمة للسخرية والاستغراب.

الشارع الأميركي، الذي يرفض الانجرار إلى حرب شرق أوسطية جديدة ومفتوحة، انتفض ضد قرارات الإدارة.

ولم تتوقف الأمور عند حدود التظاهر السلمي، بل تصاعد الغضب ليتجاوز السيطرة في بعض الولايات، وصولاً إلى مشاهد غير مألوفة من السلب ونهب المحال التجارية، في حالة باتت أشبه بفلتان الحكم وفقدان الإدارة المركزية لقدرتها على ضبط الشارع.

هذا الانفجار المتزامن لم يأتِ من فراغ، بل هو تتويج لتراكم أزمات داخلية خانقة، فمن غلاء الأسعار المباشر على أثر الحرب على ايران وتداعيات اغلاق مضيق هرمز ورفض الحرب، يتأجج الغضب بسبب السياسات الداخلية المتشددة، وعلى رأسها حملات الترحيل القاسية التي تقودها وكالة الهجرة والجمارك (ICE) فقد بلغت هذه الأزمة ذروتها الدموية بعد مقتل مواطنين أميركيين برصاص عناصر فيدرالية في ولاية مينيسوتا في كانون الثاني الماضي، مما جعل من عاصمتها سانت بول قلعة للمقاومة ورمزاً للاحتجاجات الحالية. 

يضاف إلى ذلك حالة السخط من السياسات الاقتصادية، والتخفيضات الهائلة في الوكالات الحكومية وتقليص القوى العاملة الفيدرالية ، وتأثير التعريفات الجمركية الجديدة على معيشة المواطن الأميركي.

ادارة ترمب لم تحسن إدارة الخوف في أمريكا فيعد موجة الرعب من الغلاء وخسارة الحرب في ايران لم تستطع ادارة ترامب إرسال أية رسائل تطمين مقنعة للشارع وهذا الأمر الذي يتسبب باتساع المظاهرات يومياً .

في المحصلة، تعيش واشنطن مفارقة معقدة ففي الوقت الذي حاولت فيه استعراض قوتها وفرض نفوذها في الشرق الأوسط عبر خيارات عسكرية خشنة، تجد جبهتها الداخلية تتشظى وشرعيتها المؤسسية توضع على المحك. هذا المأزق يضع صانع القرار الأميركي أمام حقيقة دامغة: المصالح الاسرائيلية قد تتحول إلى شرارة تحرق الاستقرار الداخلي إذا ما بُنيت على حساب الدستور وتجاهلت نبض الشارع، 

وبالنتيجة أمريكا التي تاجرت بمصطلح الديموقراطية وسعت لتصديره الى العالم ليكون مبررها لتقييم الدول والانظمة باتت مضطرة للدفاع عنه داخليا في مواجهة صعبة بين الملوك الجدد والديموقراطية الدستورية الأمريكية .

لا أظن أن ترامب سيكون في النصف الثاني من هذا العام في موقعه ، فاختفاؤه من المشهد السياسي ومن الادارة بات مطلباً مشتركاً بين الدولة الوطنية العميقة وبين الشارع ، ولا يشجع وجوده سوى الإيباك الذي خسر التعاطف العام في أمريكا.

طارق القضاة / محام