الفن مسار متصاعد لدمج وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة في الأردن

في عالم الفن لا تروى الحكايات بلون واحد، بل تتعدد مسارات التعبير، خاصة لدى الأشخاص ذوي الإعاقة الذين وجدوا في الفنون مساحة حقيقية للدمج والتمكين.
من الرسم إلى المسرح والغناء، ينسج أطفال وشباب من ذوي الإعاقة تجاربهم، ويحولونها إلى أدوات حضور ومشاركة فاعلة، لتبرز الموهبة والإبداع كمساحة لإثبات الذات.
هذه التجارب لم تعد استثناء في مجال تأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة، بل باتت جزءا من مشهد آخذ في التشكل في الأردن، يتجه نحو دمج الفنون ضمن برامج التأهيل والتمكين، باعتبارها أداة فاعلة لتعزيز الاستقلالية وتنمية المهارات، إلى جانب دورها في دعم الصحة النفسية والتفاعل الاجتماعي.
وكالة الأنباء الأردنية (بترا) سلطت الضوء على الجهود المبذولة في دعم وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة في مجال الفنون، بوصفها أحد المسارات المتنامية لتعزيز مشاركتهم المجتمعية وإبراز طاقاتهم الإبداعية.
ولترجمة هذه الجهود، تحدثت مديرة برامج الثقافة والفنون في المجلس الثقافي البريطاني آلاء قطام لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، حول برنامج "مسارات للفنون والإعاقة" كإحدى المبادرات الداعمة التي تجمع بين البعد الثقافي والتمكين المجتمعي، موضحة أن البرنامج ينفذ في الأردن من خلال منح تمويلية صغيرة تستهدف دعم المشاريع الثقافية والفنية في مجال الفنون والإعاقة، وينظمه مركز البنيات للتربية الخاصة بتمويل من المجلس الثقافي البريطاني في الأردن، بالتعاون مع المجموعة الأردنية للفنون والإعاقة.
وأكدت أن البرنامج يعيد تعريف العلاقة بين الفن والإعاقة، من كونه مساحة داعمة أو هامشية، إلى مسار حقيقي للتمكين والإبداع الفني والثقافي، موضحة أن البرنامج صمم كمنصة دعم وتمويل تأسيسية تحفز نشوء مسارات مستدامة يقودها الفاعلون المحليون، وتمنح الأشخاص ذوي الإعاقة الفرصة ليس فقط للانخراط في الفنون، بل لبناء حضور طويل الأمد داخل القطاع الثقافي والفني في الأردن.
وبينت أن "مسارات" يعتمد نموذج دعم متكامل يشمل تقديم منح موجهة للمؤسسات والمهنيين لتنفيذ مشاريع تضع الأشخاص ذوي الإعاقة في قلب العملية الإبداعية، سواء كفنانين أو كجمهور، مشيرة إلى أن هذا الدعم انعكس على توسع مشاركتهم في العروض الفنية والفعاليات الثقافية، إلى جانب تنامي حضورهم كجمهور متابع وفاعل.
وأضافت قطام، إن الشراكات مع المؤسسات المحلية، مثل مركز البنيات للتربية الخاصة، تمثل ركيزة أساسية في تعزيز استدامة هذه المبادرات، حيث تسهم في تطوير برامج أكثر استجابة لمتطلبات الأشخاص ذوي الإعاقة، وتوسيع نطاق الوصول إلى الفنون، إلى جانب ترسيخ التعاون بين قطاعي الثقافة والإعاقة، مؤكدة أن الهدف يتمثل في بناء منظومة ثقافية أكثر عدلا وشمولا، لا تكتفي بإتاحة الفرص، بل تحتضن التنوع وتمنح الأشخاص ذوي الإعاقة المساحة الكاملة للتعبير عن إبداعهم والمساهمة في تشكيل المشهد الثقافي في الأردن.
وعلى مستوى التطبيق العملي، ذكرت مديرة مركز البنيات للتربية الخاصة بهية مسك، أن رؤية المركز، الذي يمتد عطاؤه لـ 50 عاما، تطورت من التركيز على التدريب المهني والحرفي التقليدي إلى آفاق أرحب في عالم الفنون والتمكين الإبداعي، وذلك بالتعاون مع برنامج "مسارات"، قائلة "نحن نؤمن أن الفن ليس مجرد هواية أو منتجات يدوية للبيع، بل هو مسار حقيقي لدمج الأشخاص ذوي الإعاقة مجتمعيا وتمكينهم من دخول سوق العمل والإنتاج بكرامة" .
وأشارت إلى أن أبرز محطات التحول، هو إطلاق تجربة ';الكورال الدامج';، الذي نجح في جمع مواهب من الأشخاص ذوي الإعاقات الذهنية، والبصرية، والحركية، جنبا إلى جنب مع موهوبين من غير ذوي الإعاقة، لخلق حالة من التناغم الفني التي تذيب الفوارق الفردية وتثبت قدرة هؤلاء المبدعين على الوقوف ببراعة على خشبة المسرح وتقديم أداء غنائي جماعي يضاهي المستويات الاحترافية.
وأكدت أن التحدي الأكبر ليس في قدرات الطلاب، بل في وعي المجتمع وتغيير نظرته النمطية التي قد تستخف بقدرات الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية تحديدا، مشيرة إلى سعيهم المتواصل من خلال الفنون (كالدراما، الغناء، الرقص، والفسيفساء) لتقديم منتج فني يستحق الحضور والتقدير لذاته، لا بدافع الشفقة أو العاطفة، بل اعترافا بحقهم الأصيل في التعبير والابتكار.
وذكرت أن قصص النجاح التي يلمسها المركز يوميا هي البرهان الأكبر؛ مقدمة مثالا في إبداع احد طلاب المركز الطالب ';محمد'; في فن الفسيفساء، والذي وصل لمرحلة الإنتاج والبيع وتحقيق مردود مالي، مشيرة إلى أن ذلك ليس مجرد إنجاز فني، بل رسالة فخر لأسرته ومجتمعه ودليل على قدرته على العطاء والاستقلالية.
وأكدت مسك، أن كل رسمة بسيطة أو وقوف على المسرح هو قصة نجاح تمنح الشباب من ذوي الإعاقة ثقة لا حدود لها، وتجعلهم في قلب المشهد الثقافي لا على هامشه، مؤكدة أن الدمج الحقيقي يبدأ بفتح الأبواب ومنح الفرص المتكافئة للجميع.
من جهتها، قالت دانة قباني، أم طفل من ذوي الإعاقات الذهنية (التوحد)، إنه من خلال تجربتها مع ابنها، لاحظت تغييرات كبيرة منذ بدء مشاركته بالتأهيل من خلال الفنون، خاصة على مستوى التواصل والسلوك، موضحة أنه مع كل لوحة كان يرسمها وكل نشاط فني يشارك فيه، يفتح أمامه طرقا جديدة للتعبير عن نفسه وفهم العالم من حوله.
وذكرت أن الفن يضيف للأشخاص ذوي الإعاقة أفقا أوسع مقارنة بأساليب التأهيل التقليدية، فهو لا يقتصر على المهارات العملية، بل يمنحهم مساحة لإظهار شخصياتهم وإبداعاتهم ويعزز ثقتهم بأنفسهم، مشيرة إلى أهمية دمج الفنون ضمن برامج التعليم لتصبح جزءا أساسيا من المناهج والبرامج، لا مجرد نشاط إضافي.
ووجهت رسالة للمجتمع من خلال تجربتها قائلة "أهم ما أتمنى أن يفهمه الناس هو أن الأشخاص ذوي الإعاقة قادرون على الإبداع والعطاء، وأن ما يحتاجونه هو الفرصة والدعم، وأن كل تقدم يحققونه، مهما كان بسيطا، هو قصة نجاح وفخر لهم ولأسرهم" .
ومع اتساع الجهود في دمج وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة في المجال الفني، تتجه التجارب نحو ترسيخ الفن كمسار حقيقي للتعبير والإبداع، لا كمساحة هامشية، حيث تتحول المبادرات إلى تجارب حية تمنحهم حضورا فاعلا في المشهد الثقافي، وتفتح أمامهم آفاقا أوسع للمشاركة والتأثير؛ بما يؤكد أن الاستثمار في الفن ليس ترفا، بل ركيزة أساسية لإطلاق الطاقات، وتعزيز الاندماج، وبناء مجتمع أكثر شمولا وعدالة.
--


















