أ. د. هاني الضمور : الأكاديمية الحكومية فكرة قديمة تعود من جديد

قبل أكثر من عشر سنوات، وفي أروقة الجامعة الأردنية، طُرحت فكرة إنشاء أكاديمية وطنية للدراسات الحكومية. لم تكن حينها مجرد اجتهاد أكاديمي أو طموح نظري، بل جاءت استجابة لوعي مبكر بحقيقة كانت تتشكل بوضوح: الدولة لم تعد تُدار بالأدوات التقليدية، وأن تعقيد الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية يتطلب نوعاً مختلفاً من القيادات، ونمطاً جديداً من التفكير في الإدارة العامة.
اليوم، تعود الفكرة من جديد، بمسمى مختلف وسياق سياسي وإداري متغير، لكنها تحمل في جوهرها السؤال ذاته الذي لم يُحسم منذ ذلك الوقت: هل نحن أمام محاولة جادة لبناء منظومة حديثة لإعداد القيادات الحكومية، أم أننا نعيد إنتاج فكرة قديمة دون مراجعة حقيقية لأسباب تعثرها سابقاً؟
ما يلفت الانتباه أن التشخيص لم يتغير كثيراً. الحديث ما زال يدور حول ضعف إعداد القيادات، وغياب المسارات الوظيفية الواضحة، واختلال أنظمة الاختيار والترقية، واتساع الفجوة بين التخطيط والتنفيذ. هذه ليست مشكلات مستجدة، بل هي ذاتها التي طُرحت قبل عقد من الزمن، ولا تزال تتكرر اليوم باللغة ذاتها تقريباً. وهذا يعكس خللاً أعمق من مجرد نقص في المؤسسات؛ إذ يشير إلى أن المشكلة الحقيقية لم تكن يوماً في غياب الفكرة، بل في غياب الإرادة لتطبيقها ضمن منظومة متكاملة.
إن إنشاء الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية قد يبدو خطوة إصلاحية، لكنه في حقيقته اختبار جدي لمدى استعداد الدولة للانتقال من منطق «المؤسسة» إلى منطق «النظام». فالتجارب العالمية الناجحة، مثل Harvard Kennedy School وDubai School of Government، لم تنجح؛ لأنها أنشأت كيانات جديدة، بل لأنها ربطت المعرفة بالقرار، وجعلت التأهيل جزءاً لا يتجزأ من مسار القيادة، وربطت التدريب الفعلي بآليات التعيين والترقية.
في الحالة الأردنية، ظل التدريب لسنوات طويلة نشاطاً موازياً، لا يؤثر فعلياً في من يتولى القرار، ولا يحدد من يصل إلى المواقع القيادية. الموظف قد يتلقى برامج متعددة، لكن ذلك لا ينعكس على مساره الوظيفي، ولا يشكل شرطاً للتقدم. وهنا يكمن جوهر المشكلة: ليس في نقص التدريب، بل في عزله عن منظومة الحوكمة والموارد البشرية.
إذا أُنشئت الأكاديمية الجديدة ضمن هذا السياق ذاته، فإنها لن تكون أكثر من نسخة محدثة من مؤسسات قائمة، حتى لو اختلفت الأدوات وتطورت البرامج. أما إذا أُريد لها أن تكون نقطة تحول، فلا بد أن ترتبط مباشرة بنظام الموارد البشرية، وأن يصبح اجتياز برامجها شرطاً حقيقياً لتولي المناصب القيادية، وأن تتحول من جهة تدريب إلى مركز وطني لصناعة السياسات ودعم القرار.
التحدي الحقيقي لا يكمن في تصميم البرامج أو استقطاب الخبرات، بل في الجرأة على تغيير قواعد اللعبة. أي أكاديمية لا تمس آليات التعيين والترقية والتقييم ستبقى على هامش النظام، مهما بلغت جودة محتواها. الإصلاح الإداري لا يتحقق بإضافة مؤسسة، بل بإعادة تشكيل العلاقة بين الكفاءة والسلطة.
ما يثير القلق ليس احتمال فشل الأكاديمية، بل احتمال نجاحها الشكلي. أن تتحول إلى مؤسسة أنيقة، تستخدم لغة حديثة، وتتحدث عن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، لكنها لا تلامس جوهر الإدارة العامة، ولا تغيّر طريقة اختيار القيادات. عندها سنكون أمام تكرار مألوف: كيان جديد، بكلفة إضافية، دون أثر حقيقي.
أكتب اليوم من موقع من طرح هذه الفكرة قبل سنوات، وآمن بإمكانها كأداة إصلاح حقيقية، وما زال يرى فيها فرصة إذا أُحسن التعامل معها. لكن التجربة علمتنا أن الفكرة وحدها لا تكفي، وأن النوايا الإصلاحية، مهما كانت صادقة، لا تتحول إلى نتائج دون إطار مؤسسي صارم يربط التأهيل بالمساءلة، ويجعل الكفاءة معياراً لا خياراً.
الفرق بين أن تكون هذه الأكاديمية نقطة تحول أو مجرد إضافة إدارية يتوقف على قرار واضح: هل نريد تغييراً فعلياً في طريقة إدارة الدولة، أم نكتفي بإعادة تسمية الأدوات نفسها؟ في الحالة الأولى، يمكن للأكاديمية أن تفتح باباً لإصلاح حقيقي طال انتظاره. وفي الحالة الثانية، لن تكون أكثر من حلقة جديدة في سلسلة من المبادرات التي تبدأ قوية، وتنتهي دون أثر يذكر.



















