ربا عياش :- هندسة الخضوع: عندما يتحول الظلم إلى قدر محتوم.

الأخطر من كل ذلك هو هذا التطبيع الخفي لفكرة أن اللا أمان طبيعي. أن الغارات الفجائية عادية. أن الخوف من الغد جزء من روتين الحياة. أن اللا يقين في كل شيء هو العادي. أن تهميش الإنسان وإسكاته أمرٌ مفهوم. أن حرية الرأي والمواطنة والمساءلة مفاهيم ترف لا مكان لها في عالم يسير بخطى واثقة نحو القسوة المطلقة. صار القمع مقبولًا، والهيمنة الفكرية متوقعة، والتطرف مبررًا، والظلم يُقدَّم بلبوس الأمن والسيادة.
ستراه في صراعات من شرق هذا العالم حتى غربه، حتى وإن كانت تتصدره منطقة الشرق الأوسط. لكن انظر إلى حرب روسيا وأوكرانيا، التي تجسد حرب الدب الروسي ضد الغرب، ومحاولات روسيا إبقاء مستعمرات الاتحاد السوفيتي بين يديها. إلى إيران ومحاولاتها ابتلاع ما يمكن إبتلاعه. إلى الصين وتايوان، وأبعد إلى صراعات القارة الإفريقية.
هذه الحروب ليست فقط على الأرض، بل على الوعي أيضًا. حرب هجينة تجمع بين العنف المسلح والحرب الاقتصادية والإعلامية والثقافية. هدفها ليس فقط السيطرة على الأرض، بل على الوعي، على إعادة تشكيل العقل الجمعي، حتى نرى الظلم طبيعيًا. حيث يصبح الشر تافهًا بمعنى يمكن تعزيزه من خلال رضوخ الأفراد للأمر الواقع. ومن خوفهم ورعبهم يتحولون إلى أدوات قمعية للآخر، للجار، للعدو والصديق. حيث يصبح الخراب قدرًا، وإنكار الألم والمأساة آلية نفسية دفاعية من أجل الصمود وبحجة الواقعية.
هي حرب تعيد هندسة المنطقة والعالم وفق مصالح قوى بعينها، حتى لو كان الثمن هو سحق إنسانية الناس، وتدمير المجتمعات، وإبادة الذاكرة المشتركة. لقد نجح هذا النظام العالمي الجديد في تسطيح المفاهيم، فباتت الحقيقة نسبية، والعدالة وجهة نظر، والإنسان مجرد رقم في نشرات الأخبار. تحوّل الخطأ إلى سياسة، والخراب إلى مشروع، واليأس إلى حالة عامة.



















