+
أأ
-

شيرين قسوس تكتب:- من الفتنة الشعبوية الى الارهاب الدولي - “الإخوان المسلمين”

{title}
بلكي الإخباري

 

 

لم يعد تصنيف فروع من جماعة الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية مسألة أيديولوجية أو سياسية قابلة للأخذ والرد، بقدر ما أصبح استحقاقًا أمنيًا فرضته الوقائع المتراكمة خلال العقدين الأخيرين. فالدول لا تُدرج تنظيمات على قوائم الإرهاب بدافع الخصومة الفكرية، بل نتيجة سلوك ممنهج يهدد الاستقرار، ويغذي التطرف، ويتقاطع — مباشرة أو ضمنيًا — مع العنف المسلح.

المشكلة الجوهرية في تجربة الإخوان، كما تراها مؤسسات أمنية غربية وعربية، لا تكمن في المرجعية الدينية بحد ذاتها، بل في طبيعة التنظيم المغلق، وازدواجية الخطاب، والقدرة على التكيف التكتيكي مع كل بيئة سياسية دون التخلي عن بنية فكرية صلبة تبرر الإقصاء وتشرعن الصدام عند ما يُسمى “الضرورة”. هذا النمط حوّل بعض الفروع من كيانات سياسية إلى منصات تعبئة أيديولوجية، تنتج خطابًا رماديًا لا يدعو إلى العنف صراحة، لكنه يبرره ضمنيًا، ويضفي عليه شرعية “دفاعية”، ويصوّر الدولة الوطنية والمجتمع كمصدر عداء وجودي.

ولا يمكن فهم صعود تنظيم داعش بمعزل عن البيئات الفكرية الحاضنة التي مهّدت له الطريق. فالتنظيم لم يولد في فراغ، بل استثمر خطاب المظلومية، وثنائية “نحن وهم”، وشيطنة الدولة، وهي عناصر حضرت — بدرجات متفاوتة — في أدبيات وخطاب بعض فروع الإخوان. من هنا، لا تتحدث التقارير الأمنية عن علاقة أوامر وتمويل مباشر، بل عن علاقة تمكين غير مباشر: انتقال أفراد من أطر تنظيمية إخوانية إلى تنظيمات جهادية، شبكات دعم خيري أسيء استخدامها أو تُركت دون رقابة صارمة، وتردد أو غياب إدانة واضحة وحاسمة عندما استهدفت التنظيمات الإرهابية دولًا ومجتمعات بعينها. وفي منطق مكافحة الإرهاب، هذا النوع من التواطؤ السلبي كافٍ لاعتباره تهديدًا قائمًا.

التحول في الموقف الأمريكي المحتمل لا يعكس انقلابًا سياسيًا مفاجئًا، بل مراجعة عملية لسياسات سابقة راهنت على الفصل بين “إسلام سياسي معتدل” و”جهادية عنيفة”. هذه المقاربة تآكلت عندما فشلت التنظيمات السياسية في ضبط خطابها وقواعدها، أو تحولت إلى مظلات فكرية وبشرية تُفرّخ التطرف بدل احتوائه. لذلك، فإن استهداف فروع محددة بالتصنيف لا يُقرأ كحكم أيديولوجي عام، بل كإقرار بأن الخطر لا يبدأ عند السلاح، بل عند الفكرة التي تبرره، والشبكة التي تحميه، واللغة التي تلطّفه.

أما حجة أن الإخوان تيار واسع وغير متجانس، فرغم صحتها النظرية، لم تعد مقنعة عمليًا. فالتنظيم الذي يعجز عن الفصل الواضح بين السياسة والعنف، أو يفشل في محاسبة أجنحته المتطرفة، أو يرفض تفكيك شبكاته الملتبسة، لا يمكنه المطالبة بالحماية السياسية أو الادعاء بالبراءة الجماعية. الغموض هنا ليس عرضًا جانبيًا، بل أداة عمل.

في المحصلة، فإن تصنيف فروع من الإخوان المسلمين كمنظمات إرهابية لا يستهدف الدين، ولا يضيق على التعددية السياسية، بل يعكس قناعة متزايدة بأن التساهل مع الخطاب الرمادي والبنى التنظيمية الملتبسة كان أحد أخطاء مرحلة سابقة. وفي عالم لم يعد يحتمل المناطق الرمادية، فإن التنظيمات التي تقف على مسافة واحدة من العمل السياسي والتطرف العنيف ستُعامل، عاجلًا أم آجلًا، باعتبارها جزءًا من المشكلة لا جزءًا من الحل.