د. منذر الحوارات : مفاوضات إسلام أباد.. استمرار للحرب بوسيلة أخرى

«لن تكون حربنا القادمة من أجل برلين، بل من أجل الرياض أو طهران».. عبارة قالها مستشار الأمن القومي الأميركي زبيغنيو بريجنسكي قبل عقود، بينما الحرب الباردة في ذروتها، يومها بدت كاستشراف بعيد، لكنها تحققت إلى حد كبير؛ فبعد سنوات قليلة اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، وتوالت بعدها صراعات كان عنوانها النفط والنفوذ، وصولاً إلى الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في العام 2026، بعد خمسة عقود من ذلك التصريح، والتي انتهت مؤقتاً بهدنة هشة قادتها إسلام أباد، حيث لم تصمد مفاوضتها سوى 21 ساعة، قبل أن تتكشف هشاشتها وتتوقف.
بعد خمسة أسابيع من الحرب، صمتت أصوات الطائرات وأصوات صواريخها مؤقتاً، لكن أسباب الحرب لم تتوقف، بل أضيف إليها عنصر أكثر خطورة، مضيق هرمز، وهذا يؤكد أن الطرفين لم يذهبا إلى إسلام أباد بروح التسوية، بل لتثبيت المكاسب، لذلك فإن وصف ما يحدث بأنه مفاوضات كان موضع شك منذ البداية، وهو ما أكدته جلسات إسلام أباد التي استمرت لساعات طويلة من دون أن تنتج أرضية مشتركة قابلة للبناء عليها، فالمشهد أقرب إلى محاولة لمنع الانفجار الكامل أو تأجيله، لا لإنهائه.
فالولايات المتحدة وإسرائيل استخدمتا القوة الواسعة لا للردع فقط، بل لكسر الجمود وتغيير قواعد اللعبة مع إيران، في المقابل، ورغم عجز طهران عن منع الاختراق الجوي، نجحت في نقل كلفة الحرب إلى الخارج، عبر العدوان على دول الخليج العربي المنتجة للطاقة، وقرصنة مضيق هرمز، ما جعل الاقتصاد العالمي نفسه جزءاً من ساحة الصراع، لقد أدى استمرار القصف، وإغلاق المضيق، وارتفاع كلفة الطاقة، إلى اقتراب الطرفين من نقطة يصعب معها الاستمرار بالوتيرة نفسها، فجاءت الهدنة كفرملة مؤقتة، لا كنتيجة للحسم، فالحرب لم تتوقف لأنها انتهت، بل لأنها أصبحت باهظة الكلفة، وهو ما يجعل مفاوضات إسلام أباد محاولة لإدارة الأزمة، لا لإنهائها، وهو ما انعكس بوضوح في توقف المفاوضات السريع، حيث عادت الخلافات الجوهرية للظهور فور دخولها حيّز النقاش المباشر.
في هذه اللحظة، يتسلح كل طرف بأوراقه، الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً عسكرياً وسيطرة جوية مكّنتها من تدمير جزء كبير من البنية العسكرية واللوجستية الإيرانية، ولديها قدرة فورية على استئناف الضربات، لكنها فشلت في ترجمة هذا التفوق إلى نتيجة سياسية حاسمة، كما أنها لا تملك ترف حرب مفتوحة بلا سقف، وهي تضيف إلى أوراقها الآن حصار صادرات إيران، ومحاولة تحييد حزب الله. أما إيران، فرغم تلقيها ضربات عسكرية صاعقة، إلا أنها نجحت في رفع كلفة الحرب على الجميع، فهي تمتلك اليوم ورقة مضيق هرمز، إلى جانب ما تبقى من برنامجها النووي، وشبكة أذرعها الإقليمية، وبذلك، ورغم هزيمتها في السماء، استطاعت أن تمسك بخناق البحر والاقتصاد، مضيفة ورقة استراتيجية جديدة إلى أوراقها التقليدية.
هذا التحول نقل الصراع من مواجهة أميركية إسرائيلية مع إيران، إلى قضية تمس الخليج العربي وأمن الطاقة العالمي، أي إلى مستوى إعادة تشكيل وهندسة الأمن الإقليمي، ومن هنا، لم يعد الخليج مراقباً للحرب، بل كان ساحة مباشرة لها، ما يجعل حضوره في أي ترتيبات مستقبلية أمراً أساسياً لا يمكن تجاوزه.
أما مفاوضات إسلام أباد، التي قادتها باكستان، فقد كانت محاولة لمنع الانفجار، كانت احتمالاتها مفتوحة بين الانهيار أو التعثر، لكن ما حدث عملياً هو انهيار سريع للمسار التفاوضي، ما يعيد المنطقة إلى معادلة «هدنة بلا اتفاق»، أو «حرب مؤجلة»، مع بقاء الباب مفتوحاً لجولة أكثر حدة.
لفهم المسار، يكفي النظر إلى ما يريده كل طرف، الولايات المتحدة تسعى إلى تحويل تفوقها العسكري إلى مكسب سياسي، عبر تقليص نفوذ إيران وضبط سلوكها، لا بالضرورة إسقاط النظام، أما إيران، فهدفها منع تحويل الهدنة إلى استسلام، مستخدمة ورقتها الأهم، مضيق هرمز، وما تبقى من أدواتها لفرض توازن يمنع الإذعان، بعبارة واضحة: واشنطن تفاوض بالنار، بينما تفاوض طهران برفع الكلفة، وعندما اصطدم هذان المنهجان داخل غرفة التفاوض، لم يكن مستغرباً أن تفشل المفاوضات، لأن كل طرف دخلها بعقلية تثبيت شروطه، وتعريف نتائج الحرب، لا البحث عن تسوية مشتركة.
بالتالي، فإن ما جرى في إسلام أباد لم يكن نهاية للحرب، بل محاولة لتنظيم تداعياتها أو تأجيل عودتها، وهي محاولة فشلت حتى الآن، لتعود المنطقة إلى نقطة أكثر خطورة: حرب بلا حسم، وتفاوض بلا نتائج.
وهذا يعني أننا لم نعد أمام هدنة قابلة للتطور إلى سلام، بل أمام استراحة قصيرة بين جولتين من الصراع، قد تكون التالية أكثر كلفة وأوسع نطاقاً

















