د. دانييلا القرعان تكتب : قراءة في خطاب الرئيس عون الى شعبه…

في لحظة سياسية حساسة، جاء خطاب الرئيس اللبناني ليحمل رسائل تتجاوز الداخل اللبناني إلى الإقليم بأسره، واضعاً ملامح مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: لم يعد ساحة لحروب الآخرين، لم تكن هذه العبارة مجرد توصيف سياسي عابر، بل بدت إعلاناً واضحاً عن توجه رسمي يسعى إلى إنهاء مرحلة طويلة دفع فيها اللبنانيون أثماناً باهظة نتيجة تحويل بلدهم إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، حيث تقاطعت على أرضه المصالح والنزاعات، بينما كان المواطن اللبناني يتحمل الكلفة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
هذا الطرح يعكس رغبة في إعادة الاعتبار لفكرة الدولة صاحبة القرار المستقل، وهي فكرة تبدو بديهية في منطق العلاقات الدولية، لكنها في الحالة اللبنانية تحمل أبعاداً معقدة بسبب تركيبة الداخل وتشابك الولاءات والانقسام الحاد بين القوى السياسية، من هنا، فإن تأكيد الرئيس على أن القرار اللبناني يجب أن يكون قرارًا سيادياً مستقلاً يحمل في طياته محاولة لإعادة تعريف موقع ودوره، والانتقال به من موقع الساحة المفتوحة إلى موقع الدولة التي تحدد أولوياتها وفق مصلحتها الوطنية.
وفي هذا السياق، برزت في الخطاب رسالة أخرى بالغة الأهمية عندما أكد الرئيس أن التفاوض لا يعني ضعفاً ولا يمثل تنازلًا، بل هو وسيلة لحماية البلاد وتجنيب شعبها المزيد من الحروب والدمار، هذا الطرح يحمل تحولاً لافتاً في الخطاب الرسمي، إذ يعيد الاعتبار للدبلوماسية باعتبارها أداة لحماية السيادة، في مقابل منطق المواجهة الدائمة الذي استنزف البلاد لعقود طويلة، وهو تحول ينسجم مع إدراك متزايد بأن كلفة الحروب لم تعد محتملة، وأن الحفاظ على ما تبقى من استقرار أصبح ضرورة وطنية لا يمكن تجاهلها.
كما أشار الخطاب إلى أن وقف إطلاق النار لم يكن مجرد إجراء مؤقت، بل هو نتيجة تضحيات كبيرة وجهود سياسية وأمنية متعددة، في إشارة إلى أن الاستقرار، مهما بدا هشاً، يشكل الخيار الواقعي الوحيد في المرحلة الراهنة، في هذا الإطار، جاءت العبارة الأبرز التي شدد فيها الرئيس على أن اللبنانيين لن يموتوا بعد اليوم من أجل الآخرين، وهي عبارة تختصر تحولاً مهماً في ترتيب الأولويات الوطنية، من الانخراط في صراعات المحاور إلى التركيز على حماية الداخل اللبناني وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
تكمن أهمية هذا الخطاب في أنه يلامس أحد أكثر الملفات حساسية في الداخل اللبناني، والمتعلق بدور وسلاحه وعلاقته بالصراعات الإقليمية. لذلك فإن الرسائل التي حملها الخطاب ستجد ترحيباً من القوى التي ترى أن أولوية المرحلة يجب أن تكون لترسيخ منطق الدولة، لكنها في المقابل قد تواجه اعتراضاً من أطراف تعتبر أن هذا التوجه قد يحد من دور ما يسمى بخيار المقاومة أو يعيد رسم التوازنات الداخلية بطريقة مختلفة، ولهذا فإن الخطاب لا يمثل مجرد موقف سياسي، بل يعكس بداية سجال داخلي حول هوية الدولة اللبنانية وخياراتها المستقبلية.
ورغم وضوح الرسائل السياسية التي حملها الخطاب، فإن التحدي الحقيقي يبقى في ترجمة هذه المواقف إلى سياسات عملية قابلة للتنفيذ، في ظل تعقيدات المشهد اللبناني والضغوط الإقليمية والواقع الاقتصادي الهش، فلبنان لا يزال يعيش وسط بيئة إقليمية مضطربة، وأي محاولة لإبعاده عن دائرة الصراعات تتطلب توافقاً داخلياً واسعاً وإرادة سياسية قادرة على مواجهة الضغوط الخارجية وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية وفق منطق الدولة لا منطق المحاور.
في المحصلة، يمكن القول إن خطاب الرئيس حمل رسالة واضحة مفادها أن يسعى إلى استعادة قراره الوطني والانتقال من موقع الساحة إلى موقع الدولة، غير أن نجاح هذا المسار لن يقاس بقوة الخطاب وحدها، بل بقدرة اللبنانيين على تحويل هذه الرسائل إلى مشروع وطني جامع يعيد بناء الدولة على أساس السيادة والاستقرار والمصلحة الوطنية العليا.



















