+
أأ
-

الداخل أولا.. لحظة التحول الأردني

{title}
بلكي الإخباري

ليث القهيوي

في زمن يتسارع فيه إيقاع الاضطرابات الإقليمية والعالمية، لم يعد التحول خيارًا إستراتيجيًا للدول، بل أصبح حالة وجودية تفرضها الضرورة. الأردن، الذي نجح تاريخيًا في إدارة الأزمات بكفاءة عالية، يقف اليوم أمام لحظة مختلفة: لم يعد التحدي احتواء الأزمة، بل إدارة التحول نفسه.

 

 

هذه ليست مرحلة عابرة، بل لحظة مفصلية يتداخل فيها الداخل بالخارج بشكل غير مسبوق، ويصبح فيها الإصلاح الداخلي ليس مجرد مسار تطويري، بل الرافعة الأساسية لمكانة الدولة ودورها.

يعيد الإقليم تشكيل نفسه سياسيًا واقتصاديًا وتحالفيًا بوتيرة متسارعة، في ظل تحولات بدأت ملامحها تتضح منذ أكتوبر 2023. وقد انعكست هذه التحولات مباشرة على الأردن؛ من تراجع السياحة بنسب متفاوتة، إلى ارتفاع كلفة الطاقة، وصولًا إلى تحركات سكانية مع عودة نحو 184 ألف لاجئ إلى سورية حتى فبراير 2026.

 ورغم ذلك، حافظ الاقتصاد الأردني على نمو متواضع بلغ 2.8 % في عام 2025، مدفوعًا بقطاعات الزراعة والصناعة والخدمات، وفق تقديرات دولية. لكن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تخفي حجم التحدي: بطالة عند %21.4  للأردنيين في الربع الثالث من 2025، ودين عام مرتفع، ومنافسة إقليمية متزايدة على الاستثمارات.

لكن هذه الأرقام لا تحكي القصة كاملة.  

هنا تتكشف الحقيقة الإستراتيجية الأهم:

الداخل لم يعد شأنًا إداريًا… بل أصبح عنصر قوة جيوسياسية.

فقدرة الأردن على التموضع الخارجي كوسيط موثوق أو شريك إقليمي فاعل لا تُبنى في غرف السياسة فقط، بل تبدأ من جودة مؤسساته، وكفاءة اقتصاده، ومستوى الثقة داخل مجتمعه. الدولة التي تُحسن إدارة داخلها، تُحسن تموضعها خارجيًا.

في قلب هذا التحول، يقف القطاع العام بوصفه مركز الثقل الحقيقي. فالتحديث الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني، والذي تم التأكيد عليه في اجتماعات أبريل 2026، لا يستهدف تحسين الخدمات فقط، بل إعادة تعريف دور الدولة. المرحلة الأولى من خريطة طريق تحديث القطاع العام (2022–2025) أنجزت توسعًا في الخدمات الرقمية وافتتاح 13 مركز خدمات حكوميا شاملا، فيما تركز المرحلة الثانية (2026–2029) على رفع كفاءة الإنفاق، ودمج البلديات، وتحسين جودة الخدمات.

لكن الأهم من ذلك كله هو التحول في الفلسفة: الانتقال من البيروقراطية إلى نموذج يقوم على الكفاءة والنتائج، حيث لا يُقاس الأداء بالإجراءات، بل بالأثر. وهنا لم يعد الموظف العام منفذًا للمعاملات… بل صانعًا للقيمة العامة. وهذا التحول، في جوهره، ليس تقنيًا بل ثقافيًا، يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الثقة والمساءلة.

المسألة لم تعد مجرد تحسين خدمات... بل إعادة تعريف لوظيفة الدولة نفسها.

أما التحول الرقمي، فلم يعد مجرد رقمنة للخدمات، بل أصبح إعادة هندسة شاملة لطريقة عمل الدولة. إستراتيجية التحول الرقمي 2026–2028، التي تضم 57 مشروعًا، تسعى إلى بناء دولة تُدار بالبيانات وتتحرك بالقرار السريع. فقد تم رقمنة نحو 72 % من الخدمات الحكومية – أكثر من 1700 خدمة – مع خطة للوصول إلى 100 % بنهاية 2026، إلى جانب تطوير الهوية الرقمية، وأنظمة الدفع الإلكتروني، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، لم تعد التكنولوجيا أداة تحسين، بل أصبحت أداةً للسيادة الإدارية، تقلل الاحتكاك، وتزيد الشفافية، وتمنح الدولة قدرة أسرع على اتخاذ القرار… في زمن لا ينتظر المترددين.

اقتصاديًا، يشكل الانتقال من "اقتصاد الوظيفة" إلى "اقتصاد الفرصة" حجر الأساس في التحول الأردني. رؤية التحديث الاقتصادي 2022–2033 أنجزت نحو 81 % من مشاريعها الأولوية بحلول 2025 (339 من أصل 418 مشروعًا)، وتستهدف خلق مليون فرصة عمل وزيادة دخل الفرد بنسبة 3 % سنويًا. وفي هذا السياق، تمثل المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي توفر نحو 50 % من وظائف القطاع الخاص قاعدة الصمود الاقتصادي. كما تشير تقارير GEM 2024/2025 إلى ارتفاع نشاط المشاريع الناشئة بنسبة 34 %، مع مشاركة نسائية وصلت إلى 20 %.

لكن الأهم من الأرقام هو التحول في الفكرة: نحن لا نغير أدوات الاقتصاد فقط… بل نغير منطقه نفسه: تمكين الشباب لم يعد سياسة تشغيل، بل خيار إستراتيجي يعيد توزيع أدوار الاقتصاد، ويقلل الاعتماد على الوظيفة الحكومية، ويعزز مرونة الدولة في مواجهة الصدمات.

ومع ذلك، يبقى التحدي الحقيقي ليس في توفر البرامج، بل في تكاملها. فخطر "الجزر المنفصلة" بين السياسات الاقتصادية والإدارية والرقمية لا يزال قائمًا إذا لم تُربط ضمن رؤية واحدة. المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من إدارة ملفات منفصلة إلى بناء منظومة وطنية متكاملة، حيث يخدم تحديث القطاع العام الاقتصاد، ويمكّن التحول الرقمي الابتكار، وتدعم السياسات الاجتماعية الاستقرار. بدون هذا التكامل، تبقى الخطط قائمة، لكن أثرها محدود. أما معه، فيتحول الداخل إلى قدرة فعل حقيقية.

في النهاية، لا يمكن لأي دولة أن تعيد تموضعها خارجيًا دون أن تعيد بناء قدرتها من الداخل. فالقوة اليوم لا تُقاس فقط بحجم الموارد أو التحالفات، بل بقدرة الدولة على تحويل إمكاناتها الداخلية إلى نفوذ فعلي.

 الأردن لا يواجه فقط تحدي الصمود، بل اختبار التحول.

وفي هذه اللحظة، لا يُسأل: هل نستطيع الاستمرار؟ بل: هل نستطيع أن نعيد تعريف أنفسنا؟ فالداخل لم يعد جبهة إدارة… بل جبهة حسم. وما ننجح في بنائه داخليًا اليوم، لن يحدد موقعنا فحسب، بل سيحدد إن كنا سنكون جزءًا من تشكيل الإقليم، أو مجرد متلقين لنتائجه.